أحمد بن علي القلقشندي

83

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ثم غلب في زماننا بالديار المصرية اسم الكاتب على كاتب المال حتّى صار الكاتب إذا أطلق لا يراد به غيره ، وصار لصناعة الإنشاء اسمان : خاصّ يستعمله أهل الديوان ويتلفّظون به وهو كتابة الإنشاء ، وعامّ يتلفظ به عامّة الناس وهو التّوقيع ، فأما تسميتها بكتابة الإنشاء فتخصيص لها بالإضافة إلى الإنشاء الذي هو أصل موضوعها ، وهو مصدر أنشأ الشيء إذا ابتدأه أو اخترعه على غير مثال يحتذيه ، بمعنى أن الكتاب يخترع ما يؤلَّفه من الكلام ويبتكره من المعاني فيما يكتبه من المكاتبات والولايات وغيرهما ، أو أنّ المكاتبات والولايات ونحوها تنشأ عنه . وأما تسميتها بالتوقيع فأصله من التوقيع على حواشي القصص وظهورها ، كالتوقيع بخط الخليفة أو السلطان أو الوزير أو صاحب ديوان الإنشاء أو كتّاب الدست ومن جرى مجراهم بما يعتمد في القضية التي رفعت القصّة بسببها ، ثم أطلق على كتابة الإنشاء جملة . قال ابن حاجب النعمان في ذخيرة الكتّاب : ومعناه في كلام العرب التأثير القليل الخفيف ، يقال : جنب هذه الناقة موقّع إذا أثّرت فيه حبال الأحمال تأثيرا خفيفا . وحكي أنّ أعرابيّة قالت لجارتها « حديثك ترويع وزيارتك توقيع » تريد أن زيارتها خفيفة . قلت : ويحتمل أن يكون من قولهم : وقع الأمر إذا حقّ ولزم ، ومنه قوله تعالى * ( ووَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا ) * ( 1 ) أي حقّ ، أو من قولهم : وقّع الصّيقل السيف إذا أقبل عليه بميقعته ( 2 ) يجلوه لأنه بتوقيعه في الرّقعة يجلو اللَّبس بالإرشاد إلى ما يعتمد في الواقعة ، أو من موقعة الطائر - وهي المكان الذي يألفه من حيث إن الموقّع على الرقعة يألف مكانا منها يوقّع فيه كحاشية القصّة ونحوها ، أو من الموقعة بالتسكين : وهو المكان

--> ( 1 ) سورة النمل / 85 . ( 2 ) الميقعة ما وقّع به السيف ، وقيل المسنّ الطويل . ( اللسان 8 / 407 ) .